قلم السلام حمدي قنديل
بين "خوارزمية الهاتف" ونور البيان تأملات في زمن الاستلاب الرقمي
نقف اليوم أمام ظاهرة تقنية عجيبة، فبمجرد أن يجول في خاطرك خاطر، أو تهمس بكلمة، تجد هاتفك المحمول يفيض عليك بمقاطع فيديو وإعلانات تحاكي تماماً ما دار في عقلِك. لقد نجح العلم المادي في بناء "استشعار عن قرب وعن بعد"، وأوجد ارتباطاً وثيقاً بين الإنسان وجهازه، حتى صار الهاتف وكأنه امتداد لعقولنا، وقطعة من أجسادنا لا تفارقنا أربعاً وعشرين ساعة. وهذا العالم المحسوس المادي لا ينكره أحد، بل نؤمن بقدرته وتأثيره لأننا نرى أثره عياناً بياناً في حياتنا اليومية، ولكن هنا تكمن المفارقة الإيمانية الكبرى التي تستوجب الوقوف والموعظة.
إننا لو تأملنا قوة الخوارزمية وقوة القرآن، لوجدنا تساؤلاً يفرض نفسه: أيهما أحق بالارتباط؟ فإذا كان هذا الجهاز الصغير، الذي هو من صنع البشر، يمتلك قدرة على قراءة احتياجاتك وتوجيه سلوكك بمجرد الملازمة، فكيف بالقرآن الكريم الذي هو كلام خالق العقل والخاطر؟ نحن نمنح الهاتف وقتنا بلا انقطاع، فمنحنا خدمات مادية وتسهيلات تقنية، فتخيل لو أن هذا الارتباط والارتهان كان للقرآن الكريم؛ لو جعلت المصحف في يدك وعقلك طوال يومك، فبالتأكيد ستجد من الكرامات واللطف الإلهي والإلهامات ما يتجاوز مجرد الاستشعار إلى التغيير الجذري، فالقرآن يمنح السكينة واللطف الخفي الذي يسبق البلاء، وهو نور يبصرك بما وراء المادة.
لقد جمع القرآن الكريم ببراعة بين الإيمان بالغيب وبين الإيمان بعالم الشهادة، ونحن للأسف نؤمن بالهاتف لأنه مادي محسوس، ونتردد في اليقين بالقرآن لأن آثاره تتطلب بصيرة إيمانية، رغم أن الله تعالى قال "وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين". وهذا الشفاء ليس معنوياً فحسب، بل هو قانون كوني يعمل بأثر أقوى من أي ذكاء اصطناعي، شريطة أن يتحقق الارتباط الوثيق الذي نمنحه اليوم لهواتفنا.
وحين حذر الرسول ﷺ من هجر القرآن، كان يشير إلى عقوبة الانفصال والحرمان من النعم؛ فالشخص الذي يهجر القرآن يُحرم من قوة التوجيه الإلهي الذي يسبق الأفكار، تماماً كما يشعر الشخص الذي يفقد هاتفه اليوم بأنه تائه عن العالم. إن ضعف الإيمان يجعل النفس تميل لكل ما هو مادي وتقني، وتغفل عن مسبب الأسباب، فنحن نثق في خوارزمية التطبيق ولا نثق في وعد الخالق.
إن الهاتف الذي بين يديك الآن هو حجة عليك، فإذا كنت تصدق أن جماداً مصنوعاً يمكنه أن يفهم صمتك ويعرض لك ما تحب، فكيف لا تؤمن أن كلام الله قادر على أن يدبر لك أمرك، ويشفي صدرك، ويهديك في ظلمات الحيرة؟ تخيل لو أعطينا القرآن ربع الوقت الذي نمنحه لشاشاتنا، لفتحت لنا أبواب المعجزات، ولرأينا من كرامات الله ولطفه ما لا تدركه كل عقول التكنولوجيا في العالم، فالمسألة ليست في قوة الوسيلة، بل في صدق التوجه.
قلم السلام حمدي قنديل رئيس مؤسسه التسامح والسلام

إرسال تعليق
0تعليقات