معركة الإنتاج والعبور : كيف أمنت سواعد العمال ظهر الجيش المصري .. ؟
بقلم : معاذ حسين محمد
لم تكن حرب أكتوبر المجيدة مجرد معركة عسكرية خاضها الأبطال على جبهة القتال فحسب، بل كانت ملحمة شعبية متكاملة تقاسم فيها السلاح والجهد أبناء الوطن في كل موقع. وفي الوقت الذي كان فيه الجندي المصري يدك حصون العدو على ضفاف القناة، كان العامل المصري يضع لبنة النصر خلف خطوط النار في المصانع والمرافق الحيوية، ليثبت للعالم أن سواعد العمل لا تقل أهمية عن بنادق الدفاع في صنع التحرير واستعادة الكرامة.
لقد مرت مصر قبيل نصر أكتوبر بتحديات اقتصادية واستثنائية قاسية، غير أن الطبقة العاملة كانت حائط الصد الأول لإبقاء الدولة قوية ومستقرة، حيث واصل عمال مدن القناة في السويس والإسماعيلية وبورسعيد العمل داخل المصانع والمنشآت تحت وطأة الاستهداف والمخاطر، مضحين بأرواحهم لضمان استمرار خدمات الكهرباء والمياه وإمدادات الغذاء. وسارعت النقابات والعمال إلى إعلان حالة الاستنفار القصوى بإلغاء الإجازات والعمل بنظام الورديات المتواصلة، لتدوير عجلة الإنتاج على مدار الساعة وتوفير كافة احتياجات القوات المسلحة والسوق المحلي دون حدوث أي نقص في السلع الأساسية.
ولم يتوقف دور عمال مصر عند حدود دعم الإنتاج اليومي، بل امتد ليشكل ركيزة أساسية في الإعداد الفني والتكتيكي للمعركة؛ إذ أسهمت الكوادر العمالية والهندسية بفكرها وسواعدها في اختبار وتصنيع مضخات المياه عالية الضغط التي كانت المِفتاح الرئيسي لفتح الثغرات في الساتر الترابي لخط بارليف وتسهيل عبور القوات. وفي الوقت ذاته، شهدت مصانع الإنتاج الحربي جهوداً مضنية لتعديل وصيانة المعدات والأسلحة، وصناعة القوارب المطاطية، وإعداد ورش الصيانة السريعة التي رافقت خطوط المواجهة، إلى جانب الملحمة التاريخية التي شارك فيها آلاف العمال المدنيين لبناء حائط الصواريخ والدشم الخرسانية للمطارات العسكرية، والتي شكلت مظلة الحماية لمصر وسماء المعركة.
واكتملت هذه الملحمة الوطنية بالجانب الإنساني والتطوعي، حيث تنافس العمال في اقتطاع جزء من رواتبهم لصالح المجهود الحربي، وشاركوا بكثافة في حملات التبرع بالدم لدعم المصابين، مع تشكيل فرق الدفاع الشعبي لحراسة المصانع والمنشآت الحيوية ضد أي محاولات تخريبية. لتظل هذه الجهود المخلصة شاهداً تاريخياً يثبت أن نصر أكتوبر كان نتاج تلاحم بين الجبهة العسكرية والعمق العمالي الصناعي، وأن السواعد التي أدارت المصانع كانت شريكاً أصيلاً لليد التي رفعت علم مصر خفاقاً فوق أرض سيناء الحبيبة.
بقلم : معاذ حسين محمد
مفتش بوزارة العمل

إرسال تعليق
0تعليقات