بناء الإنسان... الاستثمار الذي لا يعرف الخسارة

...
By -
0

 بناء الإنسان... الاستثمار الذي لا يعرف الخسارة

بقلم: الكاتب والمفكر الاستراتيجي المستشار أحمد إكرام مسعود

ليست الأمم العظيمة هي التي تمتلك أكبر الثروات، ولا تلك التي تشيد أعلى الأبراج، أو تحقق أعلى معدلات النمو الاقتصادي؛ فهذه جميعًا نتائج وليست بدايات. أما البداية الحقيقية لأي نهضة، فهي الإنسان. ذلك الكيان الذي يحمل في عقله الوعي، وفي ضميره القيم، وفي وجدانه الانتماء، ليصبح هو الثروة التي لا تنضب، والاستثمار الذي لا يعرف الخسارة.

لقد أثبت التاريخ أن الحضارات لا تسقط عندما تقل مواردها، وإنما تسقط عندما يضعف وعي إنسانها، وتتراجع منظومتها الأخلاقية، وتفقد الأسرة دورها في صناعة الأجيال. فالإنسان ليس أحد عناصر التنمية، بل هو صانعها، وحاميها، والمستفيد الأول منها، ولذلك فإن الاستثمار الحقيقي لا يبدأ من الحجر، وإنما يبدأ من البشر.

ومن هذا المنطلق، أصبحت قضايا الصحة النفسية والإرشاد الأسري جزءًا أصيلًا من منظومة الأمن المجتمعي والاستقرار الوطني، لأن المجتمع المتوازن يبدأ بعقل متزن، والأسرة المستقرة هي المدرسة الأولى التي يتشكل فيها الوعي، وتُغرس فيها القيم، ويُصنع فيها المواطن القادر على تحمل المسؤولية تجاه وطنه ومجتمعه.

وفي هذا السياق، جاء ملتقى لقاء السحاب السادس تحت عنوان "الصحة النفسية والإرشاد الأسري" ليؤكد أن بناء الإنسان لم يعد قضية اجتماعية أو تربوية فحسب، بل أصبح مشروعًا حضاريًا واستراتيجيًا يلامس حاضر الدولة ومستقبلها، ويؤسس لرؤية تقوم على أن التنمية الحقيقية تبدأ من الإنسان قبل أي شيء آخر.

قد انعقد المؤتمر برئاسة الدكتور محمود عبدالفتاح رئيس قسم علم النفس بجامعة القاهرة والعلمين ومؤسس الاتحاد العربي للتدريب التربوي وكذلك بحضور الدكتور اسامه عبدالفتاح رئيس الاتحاد ، في نموذج يعكس التكامل بين الفكر الأكاديمي والخبرة العلمية، ويؤكد أن المعرفة عندما تقترن بالمسؤولية تتحول إلى قوة ناعمة تصنع المستقبل.

كما قدم الأستاذ حسام شلبي، مؤسس والمدير التنفيذي لملتقى لقاء السحاب، نموذجًا ناجحًا في الإدارة المؤسسية، من خلال تحويل فكرة علمية إلى منصة عربية للحوار وتبادل الخبرات، بما يعكس إيمانًا بأن المؤتمرات الناجحة تُقاس بما تتركه من أثر فكري ومجتمعي، لا بعدد جلساتها أو حجم حضورها.

ولم يكن تنوع المشاركين مجرد مشهد بروتوكولي، بل رسالة واضحة بأن بناء الإنسان مسؤولية وطنية وعربية مشتركة، تجمع بين المؤسسات الأكاديمية، والخبرات العسكرية، والمتخصصين في العلوم الإنسانية، وكل من يحمل رسالة الإصلاح والبناء.

ومن بين القامات الوطنية والعربية المشاركة، برز حضور اللواء أركان حرب أشرف فوزي، واللواء الدكتور محمد حسين المحاضر المعتمد بأكاديمية الشرطة، إلى جانب الدكتور ممدوح الدوسري رئيس الوفد السعودي، والدكتورة جميلة عميدة كلية البيئة والآداب بالسودان، في صورة تعكس وحدة الهدف، وتؤكد أن الاستثمار في الإنسان أصبح لغة مشتركة بين كل من يؤمن بأن مستقبل الأوطان يبدأ من وعي أبنائها.

وفي إطار الإيمان بأهمية الشراكة الوطنية في دعم قضايا بناء الإنسان، جاءت مشاركة فريق تحيا مصر لدعم الرئيس ومؤسسات الدولة ورابطة شباب القبائل والعائلات المصرية، من خلال إيفاد نخبة من الكفاءات المتخصصة للمشاركة الفاعلة في أعمال المؤتمر، تجسيدًا لرؤيتهما المؤسسية في دعم المبادرات العلمية والمجتمعية التي تستهدف تنمية الإنسان المصري وتعزيز وعيه.

وقد شاركت الدكتورة أماني أبو بكر القباني بصفتها مسؤول ملف تعديل السلوك، مقدمة رؤية علمية ترتكز على أن تعديل السلوك الإنساني ليس مجرد ممارسة تربوية، بل مشروع وطني يستهدف ترسيخ القيم الإيجابية، وتعزيز الانضباط الذاتي، وبناء الشخصية القادرة على مواجهة تحديات العصر بالفكر والوعي والاتزان.

كما شاركت الدكتورة رنا ممدوح السعدني بصفتها مسؤول ملف المرأة، مؤكدة أن تمكين المرأة المصرية علميًا وثقافيًا واجتماعيًا يمثل أحد أهم مرتكزات بناء الأسرة، وأن الأسرة الواعية هي الحاضنة الأولى لصناعة المواطن الصالح، وحصن المجتمع الأول في مواجهة التحديات الفكرية والاجتماعية.

وقد عكست هذه المشاركة رؤية استراتيجية يتبناها فريق تحيا مصر لدعم الرئيس ومؤسسات الدولة ورابطة شباب القبائل والعائلات المصرية، تقوم على أن الاستثمار في الإنسان يبدأ من الوعي، ويمر عبر الأسرة، ويترسخ بتكامل المؤسسات الوطنية، ليصنع مجتمعًا أكثر تماسكًا، وأكثر قدرة على حماية مكتسبات الدولة، والإسهام في تحقيق أهداف الجمهورية الجديدة.

كما جاء تكريم الدكتورة أماني أبو بكر القباني والدكتورة رنا ممدوح السعدني تقديرًا لإسهاماتهما العلمية والمجتمعية، وتأكيدًا على أن تكريم أصحاب الرسالة هو في حقيقته تكريم للعلم، وللفكر، ولكل من يسهم في بناء الإنسان، باعتباره الركيزة الأساسية لبناء الأوطان.

إن الدول قد تمتلك المال، وقد تمتلك التكنولوجيا، وقد تمتلك الموارد، لكنها لن تمتلك المستقبل ما لم تمتلك الإنسان القادر على صناعة هذه العناصر وحمايتها وتطويرها. فالاقتصاد يصنعه الإنسان، والأمن يحميه الإنسان، والثقافة ينشرها الإنسان، والحضارة يكتب فصولها الإنسان.

ولهذا، فإن مشروع الجمهورية الجديدة لا يكتمل إلا ببناء إنسان جديد، يمتلك العلم، والوعي، والانتماء، والقدرة على التفكير، والإيمان بأن حماية الوطن تبدأ من حماية العقل، وأن التنمية ليست خرسانة وحديدًا فقط، بل منظومة قيم، وثقافة، وأخلاق، وإنسان يعرف قيمة وطنه.

وسيأتي يوم تتغير فيه خرائط الاقتصاد، وتتبدل موازين القوة، وتتطور أدوات المعرفة، لكن سيبقى الإنسان الواعي هو الثابت الوحيد القادر على صناعة المستقبل، لأنه وحده من يستطيع تحويل التحديات إلى فرص، والأزمات إلى بدايات، والطموحات إلى إنجازات.

ولهذا، فإن بناء الإنسان ليس شعارًا يُرفع، ولا عنوانًا لمؤتمر، ولا برنامجًا مرحليًا، بل هو فلسفة دولة، ورسالة مجتمع، وعقيدة حضارية تؤمن بأن أعظم استثمار لا يُقاس بحجم الأموال، وإنما بعدد العقول التي أُنيرت، والضمائر التي استيقظت، والأجيال التي تربت على العلم، والوعي، والانتماء. فحين تنتصر الدولة في معركة بناء الإنسان، تكون قد ضمنت الانتصار في كل معارك المستقبل، لأن الإنسان سيظل... الاستثمار الذي لا يعرف الخسارة.

إرسال تعليق

0تعليقات

إرسال تعليق (0)