زأحه التُّرَابِ وَغُصَّةُ المَنْفَى: حِينَ تَحْتَرِقُ أَرْضُ الأَجْدَادِ!
بَقَلَمِ: لَوَاحِظَ الشَّرَفِيِّ
لَيْسَتِ الحَدِيدَةُ مُجَرَّدَ نُقْطَةٍ عَلَى الخَرِيطَةِ تَمُرُّ عَلَيْهَا أَخْبَارُ الدَّمَارِ خِفَافاً؛ إِنَّهَا هُوَايَتِي، وَتُرَابُ أَرْضِي، وَمَطَارحُ طُفُولَةِ آبَائِي وَأَجْدَادِي. حِينَ يَمْتَدُّ الطَّيْرَانُ الحَرْبِيُّ السَّعُودِيُّ لِيَدُكَّ تِلكَ الأَرْضَ الطَّاهِرَةَ، فَإِنَّ الصَّوَارِخَ لَا تُصِيبُ الحِجَارَةَ وَالمُرَانِي وَحْدَهَا، بَلْ تَهْشِمُ أَضْلَاعِي، وَتُمَزِّقُ مَا تَبَقَّى مِنْ نِيَاطِ قَلْبِي البَعِيدِ. كُلُّ غَارَةٍ تُعَدُّ عَلَى تِلكَ الجِهَاتِ تَحْفُرُ نُدُوبَهَا العَمِيقَةَ فِي رُوحِي، وَتَجْعَلُنِي أَعِيشُ المَوْتَ أَلْفَ مَرَّةٍ وَأَنَا أَرَى مَاضِيَّ وَذكرياتِي تَتَحَوَّلُ إِلَى رَمَادٍ.
غُرْبَةُ الرُّوحِ بَيْنَ أَوْجَاعِ الأَهْلِ وَسَطْوَةِ البُعْدِ
تِلكَ الغَارَاتُ البَرْبَرِيَّةُ لَا تَتْرُكُ خَلْفَهَا سِوَى العَطَبِ النَّفْسِيِّ المُدَمِّرِ لِكُلِّ عَائِلَةٍ يَمَنِيَّةٍ تَشَتَّتَتْ فِي بِقَاعِ الأَرْضِ. نَحْنُ الَّذِينَ طَرَدَتْنَا صِرَاعَاتُ العَبَثِ وَالمَوْتِ إِلَى شَتَاتِ المَنَافِي وَغُرْبَةِ البُلْدَانِ، نَعِيشُ العَذَابَ ضِعْفَيْنِ؛ عَذَابُ البُعْدِ عَنْ رَائِحَةِ الوَطَنِ، وَعَذَابُ الخَوْفِ المُسْتَمِرِّ عَلَى أَهْلٍ عُزَّلٍ تَرَكْنَاهُمْ تَحْتَ رَحْمَةِ النِّيرَانِ وَالحِصَارِ. كَيْفَ لِي أَنْ أَنَامَ وَبِلَادِي تُحْرَقُ؟ كَيْفَ لِي أَنْ أَتَنَفَّسَ بِطُمَأْنِينَةٍ وَبَيْتُ أُمِّي وَشَوَارِعُ مَدِينَتِي تَنْتَحِرُ تَحْتَ قَصْفِ مَنْ لَا يَعْرِفُونَ حُرْمَةَ الدَّمِ وَلَا قِيمَةَ التُّرَابِ؟
صَمْتُ الحُكَّامِ وَبَلَادَةُ العَالَمِ: مَسْرَحِيَّةُ الخِذْلَانِ
وَيَبْقَى الجُرْحُ أَكْثَرَ إِيلَاماً حِينَ نَلْتَفِتُ فَلَا نَرَى سِوَى صَمْتِ حُكَّامِ العَرَبِ المُطْبِقِ، وَتَوَاطُؤِهِمُ المَفْطُورِ عَلَى الذُّلِّ! حُكَّامٌ أَبَادُوا كَرَامَةَ الأُمَّةِ فِي أَجْلِ مَصَالِحَ عَابِرَةٍ، يَتَفَرَّجُونَ بِبَرُودٍ عَلَى أَشْلَاءِ أَهْلِنَا وَهُمْ يَتَنَاثَرُونَ فَوْقَ تُرَابِ الحَدِيدَةِ السَّاحِلِيِّ. لَا صَوْتَ اهْتَزَّ لِأَجْلِ أَنَامِ طِفْلٍ يَمَنِيٍّ يَرْتَعِفُ رُعْباً، وَلَا قِمَةً اسْتَحَتْ مِنْ دِمَاءِ الأَبْرِيَاءِ. بَلْ أَمَامَ شَاشَاتِ الهَوَاتِفِ، يَنْشَغِلُ المَلَايِينُ مِنْ بَنِي جِلْدَتِنَا فِي تَمْرِيرِ صَفَحَاتِ التَّرَفِ وَمُتَابَعَةِ التَّرَنْدَاتِ السَّهْلَةِ، غَيْرَ آبِهِينَ بِأَنَّ عِئْرَ أُمَّةٍ بِأَسْرِهَا يُسْفَكُ جِزَافاً.
نِدَاءٌ أَخِيرٌ مِنْ رُوحٍ مُتْعَبَةٍ
إِلَى حَدَائِقِ المَوْتِ فِي مَدِينَتِي، وَإِلَى كُلِّ عَائِلَةٍ يَمَنِيَّةٍ تَذُوقُ قَهْرَ النُّزُوحِ وَمَرَارَةَ المَنْفَى؛ إِنَّ تُرَابَ الأَجْدَادِ لَا يَمُوتُ، وَالحَدِيدَةُ سَتَبْقَى شَاهِدَةً عَلَى عِزَّتِنَا وَخِذْلَانِ العَالَمِ أَجْمَعِ.
فَلْتَسْتَمِرُّوا أَيُّهَا النَّائِمُونَ فِي سُبَاتِكُمُ الوَادِعِ، فَالْمَظْلُومُونَ لَمْ يَعُودُوا يَنْتَظِرُونَ صَحْوَةً مِنْ ضَمَائِرَ مَيْتَةٍ، وَحَسْبُنَا أَنَّ الأَرْضَ بَاقِيَةٌ لِأَصْحَابِه الحَقِيقِيِّينَ، رَغْمَ أَنْفِ الحِصَارِ وَالنِّيرَانِ!


إرسال تعليق
0تعليقات